يمرّ لبنان اليوم في أخطر مرحلة من تاريخه الحديث، مرحلة تتجاوز حدود الأزمات السياسية والاقتصادية إلى مستوى الخطر الوجودي على الكيان ذاته. إنّ ما نشهده ليس مجرّد تعثّرٍ في الإدارة أو أزمة حكم عابرة، بل مساراً متدرّجاً نحو تفكك الدولة وتقويض سيادتها وعجزها الفعلي عن بسط سلطتها على كامل أراضيها، خلافاً لما يفرضه الدستور من احتكار الدولة وحدها لسلطة السلاح وقرار الحرب والسلم.
لقد باتت الدولة، بمؤسساتها الدستورية والإدارية والأمنية، عاجزة أمام تسلّط ميليشيا مسلّحة تتجاوز الشرعية وتفرض وقائع موازية للسلطة الدستورية. ويتحمّل جزء من الطبقة السياسية والإدارية والأمنية والعسكرية مسؤولية هذا الواقع، إمّا عبر التورّط في توفير الغطاء السياسي والوطني لهذا السلاح الخارج عن الشرعية، وإمّا عبر العجز عن مواجهته أو التكيّف معه. وفي الحالتين نحن أمام إخلال جسيم بمبدأ سيادة الدولة ووحدة السلطة، بما يمسّ جوهر الكيان ويضرب فلسفة الدستور في الصميم.
ورغم صدور قرارات حكومية خجولة، وعلى رأسها حصر السلاح بيد الدولة، فإن القوى السيادية لم تتمكّن حتى اليوم من إلزام السلطة التنفيذية بتنفيذ هذه القرارات أو فرض احترامها. بل تجاوز الواقع ذلك، إذ استمرت الحكومة في إصدار قرارات بفرض ضرائب ورسوم متوحشة وغير مقبولة في وقت يعاني فيه الشعب من الفقر المدقع، ومن شحّ حاد في الخدمات الصحية والأدوية والضمان الاجتماعي. كما فشل السياديون في إلزام رئيس المجلس النيابي بعرض مشروع الحكومة المعجّل على الهيئة العامة لمناقشته، وهو المشروع الذي يهدف إلى تعديل قانون الانتخاب لتمكين اللبنانيين المغتربين من التصويت لـ128 نائباً من الخارج وفق محل إقامتهم.
وفي الوقت نفسه، يزداد انتشار سلاح المليشيا الإيرانية غير الشرعي وتتنوع أساليبه. وفيما تعيد هذه الميليشيا تسلّح نفسها وتواصل بث تهديداتها، من بينها شن حرب على إسرائيل في حال أي هجوم على إيران، أو استهداف السفارة الأمريكية عبر الطائرات المسيّرة، تظل السلطة التنفيذية وجيشها متفّرجين عاجزين عن فرض سيادة الدولة أو ضبط أي تهديد مباشر على الدولة ومحيطها الإقليمي.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: ماذا ستغيّر الانتخابات النيابية إذا ربح السياديون مقعداً أو عدة مقاعد في ظل حكم الميليشيا وسلاحها غير الشرعي؟ أي قيمة للتمثيل النيابي إذا كانت السلطة الحقيقية في يد قوة مسلّحة خارج الشرعية؟ أي معنى للتداول الديموقراطي في ظل اختلال فاضح في ميزان القوة وغياب سيادة الدولة على القرار الاستراتيجي؟
انّ ما يجري ليس مجرد خلاف سياسي أو حسابات انتخابية، بل مسار يهدّد الوجود المسيحي ومكوّناته الأساسية في لبنان. ومن هذا المنطلق، فإنّ المسيحيين مدعوون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تجاوز خلافاتهم الضيقة والمصلحية، والارتقاء فوق الحملات الانتخابية، والامتناع عن الردود المقابلة على مواقع التواصل الاجتماعي ضد ممثلي مجموعات برتقالية حزبية معروفة بانتماءاتها التبعية والذمية للمليشيا الايرانية وللقومية السورية. كما عليهم النزول عن منابر الانفعال والتشنج التي أضعفت الحضور السياسي للمسيحيين. فهذه الردود لا تعزز الموقف، بل تعيد إحياء رموز يوضاسية أصبحوا في مزبلة التاريخ، هم وقائدهم الذي دمّر لبنان والمسيحيين بحروبه العبثية وذميته وتبعيته للمليشيا.
إنّ خطورة المرحلة تفرض تأليف جبهة مسيحية سيادية موحّدة تستند إلى الدستور ومبدأ سيادة الدولة، وترفض أي مساس باحتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم، وتصون الوجود المسيحي وتحمي الحقوق والحريات ضمن إطار الشرعية الدستورية.
أما إذا استمر تعطيل الدولة وخضوعها لقوة مسلّحة مليشياوية خارج الشرعية بما يقوّض الشراكة الوطنية، يصبح البحث في صيغ سياسية بديلة تكفل أمن الجماعة ووجودها نقاشاً مشروعاً في ضوء القانون الدستوري والشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، بما في ذلك بلورة كيان مسيحي محايد يحترم القانون ويقيم سلاماً عادلاً بعيداً عن صراعات المحاور.
إنّ وحدة الصفّ المسيحي اليوم ليست ترفاً سياسياً بل ضرورة وجودية: فإمّا أن نتوحّد في جبهة قادرة على فرض حضورها السياسي والدستوري، وإمّا أن نبقى متفرّقين مشتتين مستضعفين فيما القرار الحقيقي يُتخذ خارج المؤسسات. فلنضع خلافاتنا جانباً ولنتحمّل معاً مسؤولية الدفاع عن الكيان وصون الوجود، لأنّ التفكك ليس خياراً، والكرامة لا تُحمى إلا بوحدة الموقف.